المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : oOالجيـب الكبيــر ..!!.. Oo


سراب الغريب
2004-10-17, 11:52 PM
حنَّ شابٌ أعزب إلى الزواج ذات مرة ، وكان يخاطب نفسه ويساومها ، ويرغبها ويدفعها إلى الإستعجال في العفة، كان كلما خبت جذوة رغبته بسبب تعطل الحيل، ونقصان المادة ردد في قرارة ذاته " هذا نصف الدين .. هذا جهاد عظيم " .. فصبراً على الصيام، وعلى الطهر والقيام ..

مــر الزمـان على الشاب ثقيلاً ليس به إلا الكرى والعنى، لا يطرقُ باباً إلا أغلق في وجهه، ولا يستجدي أهل فتاة إلا آيس من تحقق رغبته .. له من وجوه الحزن والأسى ما لا يقدر فنانٌ على تمثيله ولا رسامٌ على تقليده ..

غيـر أن الرجلُ بطبيعته وبصفات رجولته أســدي التوجه، لا ينثني عن رغبته مهما تناهت به المصاعب، ومهما وقفت أمامه من الأطواد والسدود؛ لأن الفطرة الإنسانية السوية منبعثة على الأمل والإبتسام للقادم المرسوم، فالعجين الغليظ المطاطي ستختلف صفاته بعد الإخباز ليصبح يابساً يتفتت للثريد ..

والمؤمن الواثق بالله تعالى يعلم أن الله قد خط له في كتابه مستقبله، وحرر له رزقه، وقيد موعد خيره كما هو محددٌ موعد رحيله .. وبعد هذه الإيجابية في التفكير، وهذه العفوية في التعامل مع نوائب الزمان يكون المرء قد أعيا بالصبر بدل أن يعييه، وأفرى باليأس بدل أن يفريه .. فلا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس ..

ولكــن كـان لصاحبنـا شـأن غير الشأن الذي ذكرنـا ورأي غير الرأي الذي أعطينـا .. فماذا كــان منـــه ؟

***
كان الشيخ الحنيف الطاهر يعقد حلقات دروسه بعد صلاة المغرب، وكانت أفئدة طلابه والحاضرين تتوق لسماع درره التي ينثرها على قلوبهم ونفوسهم.. ولما اتكأ على ساريته ليلقي درسه أخـذ نفساً عميقاً واسترخى .. ثم ظل صامتاً لا ينطق ببنت شفه .. وبعد أن استوحش الناس صمته نطق الشيخ وقال :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :- " من استطاع الباءة منكم فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " ..
ثم قال الشيخ: إن الله أعز بني آدم عن طلبة الأبدان كما أعزه عن طلبة الطعام .. غير أن من البشر مالا يطيق إلا الخبيث، ولا ينتهي إلا بالإستجداء . أفرأيتم أن يترك المرء الصفاء من أجل العناء، ويعافي الحذر لينغمز في الخطر .. أكان أهبل هو أم عاقل ؟

قال الطلاب: بل أيم الله إنه لأهبـل ..

قال الشيخ: كذلك هم من عافوا الحلال فانتفشوا بريش الحرام .. ليس لهم من مقام القوة على النفس إلا كمقام الدجاجة من السكين .. زين لهم الشيطان أعمالهم فضلوا عن السبيل فهم لا يهتدون لا إلى دينٍ ولا إلى دنيا !

قال أحدهم: أما هداية الدين فعرفناها .. فكيف تكون هداية الدنيا ؟

قال الشيخ: سمعت أحد الزهاد يقول : عجباً لمن أحب الدنيا، فلكل لذيذ بها أصل قذرٍ .. فشهد النحل من قيء ثخين، وشهوة الرجال مبالٌ في مبال، وأصل المسك من فضلات الغزال . وهلم جراً .. فمن ترك الشهوة المطهرة، ونال من غيرها ما نال لم يكن من نصيبه إلا قذارة القذارة وليس طهارة القذارة !

***

ثم صمت الشيخ ونظر إلى باب المسجد، وإذا بصاحبنـا الشاب قد دخل إليهم بعد إنقطاعٍ طال سنين عن دروس الشيخ، فأدنـاه الشيخ من مجلسه وقطع درسه ثم قال للشاب: بت كهلال العيـد لايكاد يرى حتى يبين، فمـا شأنك وأين مضى دهرك ؟

...قال الشاب بصوتٍ رقيقٍ ضعيف: تنـاهت بي الدنيـا حيث ها أنـا .. فلـم يكـنْ مِن جُـودِ الزمـانِ إلا المقـدور، ولـم يكـنْ مـن فعلـي غيـر المسطـور، و قلبـي قد حَمَـل مِـلء الأرض أمَـلٌ وحُلـمٌ وجَـذل .. وصـراع الذات قـد شفَّ على مر الزمان عن تعطـل مقـاليـد العقـل عن بث تيـار الحكـمة، فاستتب صـداع الحيـرة والتخـاذل، وانبتـرت عنـاقيـد البشائـر و الـدلائـل ..

تلـك حصيلـةُ عُمـر قـد فـات منهـا - في نظر الغافل - بـرهـة من الزمـن .. لا تعـدو كونهـا ساعاتٌ وأيـامٌ انقضت، لا أمل فيما قبلهـا، ولا خيـر إلا فيمـا بعـدها، فتنطوي الأيـام .. والهيام بالآتـي أكبـر من التحسـر على الماضي ..

فليـت شعري .. لو تندمت على مـر الأيـام، وتصبـَّرت علـى إتمـام الإحسـان، فشددت أزري لاستكمـال المنقوص، وتعديل المعلول، فأكـون من بعدها سالماً من طيش التسويف، آمـناً من آيات التخويف ..

ثم قاطعــه الشيخ قائلاً: أتقي الله يا بني، " فـلو " تفتح عمل الشيطان !

فقال الشاب :- عُـذراً شيخي علـى هذا التنهـد المحمـوم .. فمـا تأنت نفسـي للشكوى كمـا تأنت اللحظـة، و مـا علمتُ من شيء في هذا الزمـان أغلـى وأثمـن من كلمـةٍ صـادقـةٍ وزفـرةٍ دافئـة.. فبضائع السوق بغلاء الأثمـان تتجمـل وتتقــد .. والقلـوب بصدق الكلمات تتآلـف و تتحـد؛ فرُبَّ جمـادٍ غالي الثمـن، إلا أن مقـدمه أرخص ما في الوجود.. والعكس أصح من ذلك ..

قال الشيخ: فرج عما أكبت صدرك، وضيق عيشك .

***
قال الشاب: إنك تعلم ما بي من عزيمة على الزواج، وقد قرعت أبواباً لم أكن أقرعها إلا بإذنك، ولم أخطب فتاة إلا وكنت أنت في مقدمة مسيري، كنت تدفع عني اليأس والحزن على تعثر مبتغاي .. كنت تحثني على الفضيلة والصيام وغض الطرف ..

... فقدر لي الرحمان أن أخرج من قريتنا هذه إلى المدينة لتحصيل الرزق، فعلمت حينها أني لم أكن أعيش بينكم إلا بروحك، ولم أكن أتقي الحرمة إلا بحضورك .. علمت حينها أن إيماني بقلبك لا بقلبي، وصبري بحلمك لا بقهري .. علمت حينهــا أنك أسرتني بعينيك فلا أبصر إلا بهما، وأنك ملكت أذناي فلا أسمع إلا بهما، فلمـا تبدت عني غمامة غيثك، وأنقطع عني ماء طهرك، وأنقطعت أوشاجك التي أسرتني بها وربيتني عليها تحررت عيناي وأذناي من قيد حبك لي ورأت نفسي من الدنيا ما رأت ..

ثم قال الشاب : وكان أعجب ما رأيت فيها كثرة الأسواق وتفنن النساء في المطعم واللباس، إلا أنهم من البلادة عن الخير كالطير المبلول لا يروم إلى مقصده طيراناً ولا مشياً .. فلم أجد منهم من يدعوني إلى منزله كما نفعل نحن في قريتنا، ولم أسمع لهم شيخاً مثلك تجتمع القلوب لسماعه .. وكان أسوأ ما بهم فراغ المسجد عند صلاة الفجر والعشاء والعصر !

.. ثم – ومن بعد بحثٍ كأود – وجدت عملاً عند حانوت بقال مشهورٍ على أطراف المدينة، فعملت معه حتى توفي صاحب الحانوت .. وعلمت بعدها أنه كتب كل أملاكه لي قبل وفاته، فلم يكن له من يرثه رغم كثرة أمواله ..

.. فربحت تجارتي من بعده و وسع الله لي الخير، فقررت الزواج الذي كنت قد آيست منه، وهممت إلى دار فتاة كانت تشتري من حانوتي، فخطبتها من أبيها، فوافق في حينه فعجبت من حسن استقباله وترحابه ! ولم أكن أدري أن للزمن نشيدٌ غيره سيشدوه لي ..
***
وكان يوماً صنع به فرحتي من بعد دهر كآبة، وأشرق وجهي من بعد ليالٍ سرمدية .. ولكن ما من خيرٍ نازلٍ إلا والنقص أتمـه، فقد طلب أباها مني ما الله به عليم .. فأدركت من بعد طربي وفرحي أن دنانيري هي التي تزوجت ولست أنا! وإن كنت في القريةكما كنت على سابق عهدي لبقي أسمي " الجيب الصغير " أما اليوم فسيعقد شيخ مدينتنا علي بأسم " الجيب الكبيـر " .. و لا أدري هل ستكون زوجتي تبحث فيَّ القلب الكبير أم الجيب الكبير .. و لست أدري هل للمسلم أن يغير أسمه مع تقلب الأحوال ؟! وعلى كل حال أفتيت نفسي بـأنني في النهاية ثابت على أسم " جيب " وما الكبير والصغير إلا صفة الحال الذي أكون عليه ..

قال الشاب: فأعطيت الأب من الأموال كيت وكيت، و زينت الأم بالحلي والجواهر كأنني أزفها إلى زوجها، وفرقت البضائع والموائد على الأخوة كأنني وكلت بليـالي زفافهم وأفراحهم، و أبتعت العطور والخرق لأخواتها وكأنهن لا يعرفن القبر ومحله ..

فأصابني من بعد ذلك قحطٌ أشد مما كنت فيه في القرية، وافتقرت فقراً من بعد غناً .. وكما يقال: الشيء الذي يأتي بلا شيء يذهب في لا شيء !!فضاقت أمور حياتي وتعسرت أسباب معيشتي، وأمرني أبو الفتاة أن أعيدها إليهم من بعد أن أكلوني لحماً ورموني فتاتاً لا عظم فيه ..

بقيت زمننـاً أندب حظي الذي يلازمني، وأتحسر على الأموال التي مضت ولن تعود لي.. فانتهجت مناهج الضائعين القانطين لا عبادة المصلين الصابرين، فأدمنت الخمر، وآنست الموامس ، ورابيت بما بقي لي من مالٍ عسى أن يعود لي شيءٌ مما فات .. وخسرت كل ما لدي في قماري، و راوغني من أدنتهم بالربى فلم أنل منهم قرشاً.. وزجرني ندمائي فلم أقدر على شراء ما كنت أنادمهم به ..

ولا تسأل شيخي عن خوف الله والصلاة والزكاة، فهي معاني وضعتها في جيبي الصغير .. أجل جيبي الصغير الذي هو في ثوبي العتيق المغبر الذي كنت أقيم به الليالي معك، وأحمل أثقال الفقراء معك .. كنت قد وضعت ذلك الثوب في صندوقٍ وأقفلت عليه حتى لا أتذكر الماضي الذي هو في حقيقة الأمر نورٌ لم أنل منه في دهر الظلمة الشديد ..

.. ثم أنخرط الشاب في البكاء ، حتى أحمرت عيناه كالسعير الممتد على مرامي دهره الضائع الحزين، وما دموعه إلا كماء البحر لا يروي ضمأ ولا يطفيء ناراً !

فقال الشيخ بصوت المعاتب المتأسف: واحسـرتاه على قطع درسي لأستمع لصفات الناقصين .. وما حملك على عودتك القرية وإتيانك إليّ وقد وجدت الدنيا ولذائذها حيث كنت؟

-
سراب الغريب ،،

تحياتي ،،

ملاحظــة: القصة نابعة من خيالي ، فهي غير حقيقية ،،

قاهر الفتن
2004-10-18, 12:01 PM
ثم قال الشيخ: إن الله أعز بني آدم عن طلبة الأبدان كما أعزه عن طلبة الطعام .. غير أن من البشر مالا يطيق إلا الخبيث، ولا ينتهي إلا بالإستجداء . أفرأيتم أن يترك المرء الصفاء من أجل العناء، ويعافي الحذر لينغمز في الخطر .. أكان أهبل هو أم عاقل ؟

قال الطلاب: بل أيم الله إنه لأهبـل ..

قال الشيخ: كذلك هم من عافوا الحلال فانتفشوا بريش الحرام .. ليس لهم من مقام القوة على النفس إلا كمقام الدجاجة من السكين .. زين لهم الشيطان أعمالهم فضلوا عن السبيل فهم لا يهتدون لا إلى دينٍ ولا إلى دنيا !

قال أحدهم: أما هداية الدين فعرفناها .. فكيف تكون هداية الدنيا ؟

قال الشيخ: سمعت أحد الزهاد يقول : عجباً لمن أحب الدنيا، فلكل لذيذ بها أصل قذرٍ .. فشهد النحل من قيء ثخين، وشهوة الرجال مبالٌ في مبال، وأصل المسك من فضلات الغزال . وهلم جراً .. فمن ترك الشهوة المطهرة، ونال من غيرها ما نال لم يكن من نصيبه إلا قذارة القذارة وليس طهارة القذارة !
ما شاء الله ... حكمة بالغة جدا ...

ملاحظــة: القصة نابعة من خيالي ، فهي غير حقيقية ،،
ماشاء الله لا قوة الا بالله ...

قصة جميلة جدا بها من الحكمة ما بها ...

جزاك الله خيرا ...

سراب الغريب
2004-10-18, 08:36 PM
بارك الله فيك مشرفنا :)